لقد كان زكي نجيب محمود قامةً مديدة في سماء الثقافة العربية، جمع الأدب الخالص إلى الفكر الخالص، فكان مفكراً أديباً، كما كان أديباً مفكراً، وقد نهض كلّ ذلك على مبدأ خلقي رصين يصدق العمل فيه القول حتى يجيئا متسقين لا ينكر أحدهما الآخر.
عُني بقضايا النهضة والسبل إليها، وشغلته قضية الأصالة والمعاصرة فاتجهت أفكاره إلى صيغة تجمع الأصالة والمعاصرة معاً، وأن المستقبل العربي رهين بحسن التأليف بينهما.
وعُني بالمقالة الأدبية واتخذ منها شكلاً فنياً يصب فيه أفكاره لكي يلبسها ثوباً أدبياً يجعلها أقدر على النفاذ إلى القراء، وأثبت على عوادي الزمن.


وزاول النقد الأدبي صادراً عن رؤية أدبية فلسفية، ومن كان أديباً فيلسوفاً لا بد أن ينظر في الأدب من حيث ماهيته، ومن حيث ما يميزه مما سواه، وأن ينظر في النقد الأدبي وطرائقه وماله من شروط، وأن يقف عند نصوص من الأدب محللاً مستنبطاً الخبيء من معناها. وقد فعل ذلك كلّه وإن كان يسمي عنايته بالأدب والفن هواية (قشور ولباب، المقدمة، هـ) فإنها لدى التحقيق أكثر من هواية لأنها متصلة بموقفه الفكري متسقة معه فكأن أفكاره الفلسفية وجدت لها مصداقاً في ميدان الأدب والنقد.
نشأ زكي نجيب محمود وهو يرى أعلام الأدب والنقد: طه حسين، والعقاد، والمازني وهم يحملون راية تجديد النقد الأدبي والخروج به من إطاره الضيق القدم ليجعلوا منه جنساً أدبياً قوامه الموهبة والثقافة المتسعة والقلم المبين الذي يحسن تجلية المعاني وربطها بحياة منشئها.



 
Top