يمكن تلخيص سيرة المفكر المصري الكبير الراحل الدكتور زكي نجيب محمود الذي تمر مناسبة رحيله في هذه الأيام، بالقول إنه سعى جاهداً للتوفيق بين التراث العربي الإسلامي من جهة، وبين الحضارة الإنسانية الحديثة، ولكن دون توفيق يُذكر، كما كان يقول في أواخر أيامه.
فقد سُئل في تلك المرحلة من حياته عمّا إذا كان راضياً عن نفسه، أو عمّا أنجزه، فكان جوابه أنه ليس راضياً عن نفسه، بمعنى أنه وقد بلغ ما يُدنيه من نهايته، يجد وعلى الرغم من كثرة ما أنتجه في مجال الفكر، أنه لم يترك جمهوراً يتقبّل الفكرة الأساسية التي عرضها في كتبه، والتي هي ضرورة الجمع في كل إنسان منّا بين تراثه من ناحية ومقوّمات هذا العصر من ناحية أخرى: “وهو موقف يقتضي أن يقف عقل الوجدان عند حدوده، وأن يقف سلطان العلم والعقل عند حدوده أيضاً”.
والغريب أنه انتهى إلى هذا الموقف ولم يبدأ به.

فقد بدأ غريباً، أو مستغرباً، على الأصح، منفتحاً انفتاحاً تاماً على الفكر الأوروبي، دون أدنى التفات للفكر العربي. وهذا ما اعترف هو به في مقدمة كتابه “تجديد الفكر العربي” حين قال إنه لم يطلع على كنوز الثقافة العربية إلا بعد وقت طويل من ممارسته للثقافة الغربية،


لا سيما الثقافة الإنجليزية التي لم يقتصر دورها على المعارف لديه، وإنما أثّرت على طريقة ممارسته للحياة اليومية أيضاً.. وقد امتدّت هذه المرحلة حتى بلغت نصف قرن تقريباً، بعدها أخذ يقرأ التراث العربي بشكل منظم وعندها بدأت المرحلة التالية في فكره.

في هذه المرحلة بدأ زكي نجيب محمود يقرأ التراث العربي بدهشة. توقف في البداية عند جابر بن حيان، عالم الكيمياء، وقدّم عنه كتاباً تناول من خلاله مفاهيم العلم كما قدّمتها الفلسفة الوضعية، فبهره إنجاز جابر بن حيان بمقاييس عصرنا في تأسيسه للعلم، ثم أصدر بعد ذلك “تجديد الفكر العربي” و”المعقول واللامعقول في تراثنا العربي” وقد حاول أن يدرس فيه الجوانب الإيجابية والسلبية من منظور فلسفته الخاصة، فتوقف عند الغزالي في معيار العلم، وعند الفلاسفة والعلماء المسلمين الذين يدعون إلى العقل والعلم، ونقد جوانب الخرافة والاستكانة إلى الجهل في عصور التخلف.


 
Top