2
6كان من الطبيعي ألاّ يعمد اللاهوتيون المسيحيون الى تأسيس علمٍ للدين أو فلسفةٍ له. فقد كان «الدين» بأل التعريف هو الدين المسيحي (بصيغته الكاثوليكية وحدها بعد القرن الحادي عشر). وحتى عندما حدث الانقسام البروتستانتي بصيغه المتنوعة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فإن اللاهوتيين الجدد ظلَّ وعيهم قوياً بالوحدة المسيحية أو وحدة الحقيقة المسيحية، وانما اختلفوا على السلطة أو المرجعية في تحديدها (الكنيسة أم لا). ولذلك فإن الفلاسفة والمؤرخين والمفكرين التنويريين والانتروبولوجيين هم الذين انصرفوا الى دراسة «الظاهرة الدينية» في التاريخ الإنساني، وقد ظلت المسيحية واليهودية حتى لدى هؤلاء النموذج الذي يدرسون الأمور من خلاله. ولذلك يذكر علماء التاريخ الديني بداياتٍ لـ «علم الدين» أو الميتافيزيقا في أعمال كانط وهيغل وفيورباخ وسبينوزا وهوبز. أما التآليف المستقلة في «فلسفة الدين» أو أصول الظاهرة الدينية فتبدأ بوضعانية أوغست كونت (1798 - 1857م) الذي تركز جهده على تبيان أن الدين لا يزيد على كونه تجميعاً لتصورات انسانية مختلفة عن المقدس، وبهذا الاعتبار فهو يشكل أحد أنماط وعي التاريخ الإنساني. وتابع هذا المسار، الأقل راديكالية من مسار كارل ماركس ودوركهايم (1858 - 1917) الذي بلور أُطروحته عن أصول «الظاهرة الدينية»، وليس «أصل الدين» (فيورباخ)،


في كتابه المشهور: «الأشكال الأولية للحياة الدينية» (1912). وقد عاد في تلك البلورة الى ظواهر الطوطمية الأسترالية، ذاهباً الى أن الظاهرة الدينية هي كأي ظاهرةٍ اجتماعيةٍ أخرى، من حيث انها تستجيب حاجات جماعية محددة متكوِّنة من تجارب وانطباعات جماعية سابقة. وهكذا فإن الدين عنده هو «نظامٌ من الاعتقادات والأفعال المتعلقة بأمورٍ مقدسة، بمعنى انها منفصلة عن عالم الناس ومفارقه، لكنها بالعقائد والممارسات والشعائر تُوحِّدُ جميع الذين ينتمون اليه في جماعةٍ تسمى كنيسة». واختلف ليفي بريل (1857 - 1937) مع أُستاذه بشأن الديني لدى البدائيين، وتلك التفرقة بين الرموز أو المقدسات من جهة، والشعائر من جهةٍ ثانية، ذاهباً الى ان البدائي يميل الى إرساء تماثلات مطلقة بين الإنسان من جانب والحيوان والنبات والمحيط من جانبٍ آخر. وعقلية المشاركة هذه لا تزال حاضرةً في التصورات الدينية للعالم الحديث، وهي التي تربط بين المنطقي وغير المنطقي في تركيبٍ نفسي ثُنائي هو وحده القادر على تفسير الإيمان بإله سيّد للكون، والمشاركة في الوقت نفسه في الروح الإلهي المبثوث في العالم. واختلف مارسيل موس (1872 - 1950) مع بريل، وحاول الجمع بين كلامه عن العقلية البدائية وكلام أو مقولة دوركهايم بأن أصول المقولات العقلية تكمن في الحياة الاجتماعية. وفي النهاية: ما هو العقلاني وغير العقلاني، وكيف يكونُ هذا الافتراق الصارم الذي يريد كلٌ من كونت ودوركهايم وبريل التشديد عليه؟!


تحميل كتاب فكرة القدسى

إرسال تعليق

  1. كيف أحمل هذا الكتاب فقد أصابني من أمري رهقا عافاكم الله ؟

    ردحذف
  2. طريقة التحميل : http://wawbooky.blogspot.com/p/blog-page_8.html

    ردحذف

 
Top