0

يوميات القراءةهناك كتب نتصفها بمتعة ناسين الصفحة التي قرأناها ما أن ننتقل إلى الصفحة التالية. وكتب نقرأها بخشوع دون أن نجرؤ على الموافقة أو الاعتراض على فحواها. و أخرى لا تعطي سوى معلومات ولا تقبل التعليق. وهناك كتب نحبها بشغف ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب.

القراءة عبارة عن محادثة، تماماً مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما في أذهانهم، فإن القراء يتورطون أيضاً بحوار مشابه، يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة. في الغالب لا يدون القارئ ردود أفعاله، لكن أحياناً تنتاب قارئ ما رغبة بإمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص. هذا التعليق، هذه الهوامش، هذه الكتابة الظل التي ترافق أحياناً كتبنا الأثيرة توسع من النص وتنقله إلى زمن آخر، وتجعل من القراءة تجربة مختلفة وتضفي واقعية على الأوهام التي يرويها لنا الكتاب، ويريدنا (نحن قرائه) أن نعيشها.

قبل سنتين مضت، وبعد بلوغي الثالثة والخمسين، قررت أن أعيد قراءة بعضاً من كتبي القديمة المفضلة. وقد دهشت مرة أخرى أن ألاحظ كيف تبدو هذه العوالم المتراكمة والمعقدة من الماضي انعكاساً للفوضى السوداوية التي يحياها عالمنا الحاضر. قد يلقي مقطعاً في رواية الضوء فجأة على مقالة في صحيفة يومية، ومشهد معين يمكن له أن يستعيد حادثة شبه منسية، وكلمات قليلة يمكن أن تكون باعثاً لتأملات طويلة. لهذا قررن أن أسجل مثل هذه الملاحظات.

خطر لي حينها أن أ‘يد قراءة كتاب واحد كل شهر، وربما بعد سنة أكون قد أكملت شيئاً هو هجين من المذكرات الشخصية والكتاب العادي: مؤلف يشتمل على ملاحظات وتأملات وأدب رحلات، وصور وصفية لأصدقاء ولأحداث عامة وشخصية مستلهمة كلها من قراءاتي. لقد وضعت قائمة بالكتب التي سأختارها. بدا لي من المهم، ومن أجل التوازن، أن يكون هناك قليل من التنوع من كل شيء (وبما أنني قارئ انتقائي، فإن هذا الأمر لم يكن صعباً).

القراءة فعل مريح، منعزل، هادئ وحسي، سابقاً تقاسمت الكتابة بعض هذه الميزات، لكنها في الوقت الحاضر اكتسبت شيئاً من صفات المهنة القديمة للبائع المتجول أو ممثل الفرجة، فالكتاب يدعون من أمكنة بعيدة لتمضية ليلة عابرة، وبدلاً من أن يبيعوا فراشي التواليت أو مجلدات دائرة المعارف فإنهم يطرون على فضائل كتبهم الخاصة. بدافع هذه الموجبات أساساً، وجدتني أسافر إلى مدن مختلفة، لكني كنت دائماً مسكوناً برغبة العودة إلى بيتي في القرية الفرنسية الصغيرة حيث كتبي وعملي.

يفترض علماء الطبيعة بأن الكون قبل نشوئه كان في حالة طاقة كامنة، حيث لا وجود للزمان والمكان –(في ضباب الإمكانية) كما يحلو لمعلق ما أن يدعوها- إلى أن حدث الإنفجار العظيم. هذا الوجود الكانت يجب أن لا يفاجئ القارئ، الذي يكون كل كتاب بالنسبة إليه كائناً في حالة من الغموض حتى تبادر اليد إلى فتحه والعين إلى مطالعته وتوقظ الحياة في الكلمات. الصفحات القادمة هي محاولتي لتسجيل مثل هذه الإيقاظات


 أشترى كتابك وادفع عند 

الاستلام

إرسال تعليق

 
Top