0

نقد الخطاب الدينىلا يقوم الخطاب الديني بإلغاء المسافة المعرفية بين "الذات" و "الموضوع" فقط، بل يتجاوز ذلك إلى إدعاء - ضمني - بقدرته على تجاوز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية والوصول إلى القصد الإلهي الكامن في هذه النصوص. وفي هذا الإدعاء الخطير لا يدرك الخطاب الديني المعاصر أنه يدخل منطقة شائكة هي منطقة "الحديث بإسم الله"، وهي المنطقة التي تحاشى الخطاب الإسلامي - على طول تاريخه عدا استثناءات قليلة لا يعتد بها - مقاربة تخومها. ومن العجيب أن الخطاب المعاصر يعيب هذا المسلك ويندد به في حديثه عن موقف الكنيسة من العلم والعلماء في القرون الوسطى

إن الحديث عن إسلام واحد ثابت المعنى، لا يبلغه إلا العلماء، يمثل جزءاً من بنية آلية أوسع في الخطاب الديني. وليست هذه الآلية من البساطة والبداهة التي تبدو بها في الوجدان والشعور الديني العادي والطبيعي، بل نجدها في الخطاب الديني ذات ابعاد خطيرة تهدد المجتمع، وتكاد تشل فاعلية "العقل" في شئون الحياة والواقع. ويعتمد الخطاب الديني في توظيفه لهذه الآلية على ذلك الشعور الديني العادي، فيوظفها على أساس أنها إحدى مسلمات العقيدة التي لا تناقش. وإذا كانت كل العقائد تؤمن بأن العالم مدين في وجوده إلى علة أولي أو مبدأ أول - هو الله في الإسلام - فإن الخطاب الديني - لا العقيدة - هو الذي يقوم بتفسير كل الظواهر الطبيعية والإجتماعية، بردها جميعها إلى ذلك المبدأ الأول. إنه يقوم بإحلال "الله" في الواقه العيني المباشر، ويرد كل ما يقع فيه. وفي هذا الإحلال يتم - تلقائياً - نفي الإنسان، كما يتم إلغاء "القوانين" الطبيعية والإجتماعية، ومصادرة أية معرفة لا سند لها من الخطاب الديني، أو من سلطة العلماء.


 أشترى كتابك وادفع عند 

الاستلام

إرسال تعليق

 
Top