0

الجماعات المتخيلةحين تناقش مسألة القومية غالباً ما يتمحور الحديث حول تعريفات القومية. ومجرد إنتشار هذه العادة عند مناقشة هذه المواضيع يوضح الفقر النظري في الإنتاج حول القومية. وللتدليل على الضعف النظري في دراسة القومي يستخدم أندرسن مأزق التعريفات الذي يعبر عن شبه إستحالة تعريف القومية مع أنها ظاهرة قائمة موجودة يدركها الجميع، ولا يتفقون على تعريفها في الوقت ذاته. يتضمن الإنتماء إلى القومية نوعاً من المساواة، كما قد تتحول إلى غطاء ديماعغوغي شعبوي لإنعدام المساواة. هذه جاذبية القومية، هذه فرصتها، وهذا خطرها. لكن القومية ليست جماعة صغيرة يعرف الفرد أفرادها شخصياً،

أو يعتقد أنه يعرفهم كإمتداد لشيء يعرفه بموجب قرابة الدم مثلاً كما يفترض بالجماعة العائلة الممتجة والقبيلة أو الحارة. القومية هي إذاً جماعة متخيلة، يتصورها المرء فينتمي إلى الآلاف والملايين من الناس النتمين إليها أيضاً دون أن يعرفهم أو يرتبط بهم برابطة طبيعية، ولكنه قادر على تخيل رباط كهذا. وكونها متخيلة لا يقلل من إنتمائه لها، بل العكس، ربما يضطره التخيل، أو تضطره ضرورة التخيل إلى تقوية وشحذ هذا الإنتماء بخيار أرفع وبوسائل أرقى. قد ينتج الإنتماء المباشر ( غير المتخيل ) لجماعة مباشرة ( غير متخيلة ) تعبيرات فنية وجمالية في إطار الإنتماء قبل ممارسة المواسم والإحتفاليات والطقوس والشعائر وغيرها، ولكنه لا ينتج أدباً ولا موسيقى راقية مثلاُ ولا ينتج علاقات حقوقية...لا يعالج أندرسون هذا التأسيس النظري لحقيقة التخيل. وطبعاً لا يعالج في كتابه هذا كيف تزداد الجماعة المتخيلة أهمية وواقعية كلما تفككت الجماعة المباشرة المحلية. لأنه حين تتفكك جماعة الإنتماء المباشر تقوم الجماعة المتخيلة بالمهتمين: المهمة التعويضية عن الجماعات الحميمية الأهلية التي إندثرت، ومهمتها الحديثة المتمثلة بإقامة جماعة سياسية تسعى نحو الوحدة والسيادة بتأسيس الكيانية السياسية كما يتبين في ثنايا الكتاب. بعد هذه الإضاءة يمكن القول بأن هذا الكتاب الذي إشتهر في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، في مرحلة صعود النقاش حول القوميات في وسط أوروبا وشروقها، يمكن القول بأن هذا الكتاب سد ثغرة كبيرة بين النظريات التي تعتبر القومية اثنية محدثة كما يعتبرها أمثال أنطوني سميث حالياً، وتلك التي تعتبرها مجرد إيديولوجية برجوازية كما يفعل ذلك منظرون ماركسيون، وثالثة تعتبرها نتاج المجتمع الصناعي كما في حالة إنرست غلنر، ورابعة تضع لها تعريفات جديدة منزوعة من سياق تاريخي ومعممة على العالم بأسره كما فعل جوزيف ستالين مثلاً في كتيب عن مسألة القوميات، وخاصة ترى فيها مجرد إختراع عابر، كما فعل إيلي خدوري في اليمن، وإلى ذلك فإن القارئ إنما هو أما عمل بحثي تخصصي أمين، ورؤية نظرية ثاقبة لا يمكن الإستغناء عنه في دراسة القومية والهوية في العصر الحديث.


 أشترى كتابك وادفع عند الاستلام

إرسال تعليق

 
Top