0

الناس فى كفر عسكربهذا العنوان نشر الأديب أحمد الشيخ روايته الأولي المكثفة عن النسيج الإنساني والاجتماعي والقيمي للقرية المصرية عام‏1979‏ م ووضع لها عنوانا فرعيا هو أولاد عوف ووزعها علي صوتين أحدهما حسن عوف من الجيل الأوسط والثاني صالح عوف وقد أطلق المؤلف العنان للصوت الراوي كي يجسد الأحداث ويبلور المشاعر ويقطر الرؤية التي يقدمها من خلال تقنية شبيهة بتيار الوعي من حيث الوظائف الجمالية والسردية وإن اختلفت عنها بارتفاع منسوب الوعي فيها وتدفق الكلام بشكل منظم وواضح‏,‏ وقد أتبع أحمد الشيخ روايته تلك بعمل آخر متصل به بشكل حميم هو حكاية شوق التي نشرت‏1991‏ واستكمل فيها الصورة من منظور ثالث بعد أن انتقل إلي مناخ مخالف في روايته النبش في الدماغ وكذلك مجموعاته القصصية الأخري‏,‏ ولكي ندرك ملامح العالم الذي يهدف أحمد الشيخ إلي تمثيله في كفر عسكر نستحضر تقديمه لهذا الإهداء الدال‏:-‏ لمصر المستقبل والناس ولروح أمي الراقدة في مدفن ضيق وسط مدافن قرية في أحضان الدلتا نمشي له مسافة في الأرض المزروعة ونفكر في الموت نقرأ لها الفاتحة ونشكو لروحها همومنا والزمن الصعب نرتاح نتجدد‏,‏ ويزيد في قلوبنا الإيمان نفكر في المستقبل ونصدق نيتشه في كلامه عن العود الأبدي ونصدق أوراق البردي ونصوص الأهرامات نتأكد أن بلدنا قديمة وخالدة موجودة وصاحية في عيون الناس‏.‏


ولكي ندرك أبعاد هذه الرؤية الكونية لابد لنا أن نتذكر تاريخ كتابتها بعد النكسة وقبل أكتوبر إبان احتدام الصراع العسكري وفي أوج بعث الروح المصري واستنفاره لمقاومة الشعور بالانسحاق تحت وطأة المعركة الأولي واستجماعها للهمة لخوض الجولة الثانية التي كانت قد بدأت بحرب الاستنزاف في هذا المناخ يستلهم أحمد الشيخ نبوءة الحكيم في عودة الروحويستخدم عنوان صلاح عبد الصبور في ديوانه الأول الناس في بلادي كي يقدم رواية مفعمة بالنبرة السياسية العالية ومضمخة بالحس التاريخي والاجتماعي والإنساني لأبناء الشعب البسطاء النازحين إلي المدينة النازفين دم قلبهم علي حال القرية التي هجروها وما يسكنها من بؤس وحقد وكراهية تدمغ مصائر أهلها وأقدارهم‏,‏ ولم تكن تقنية تيار الوعي الواعي لو صحت هذه التسمية هي المغامرة الفنية الوحيدة التي اجترحها أحمد الشيخ في هذه الرواية بل قام بتجريب صناعة ضفيرة زمنية مربكة للقارئ ومثيرة لانتباهه يتجاور فيها أول الزمن مع نهايته علي التوالي ليفجر ما ينجم عن ذلك من مفارقات بليغة عندما يمضي السرد بالتناوب بين أيام الصبا الباكر والشيخوخة الطاعنة لحسن عوف أي أنه أخذ يجدل الأحداث بعد أن قفز بها إلي النهايات ليوفق بين أطرافها البعيدة في انخطافه واحدة‏,‏ في نهاية الرواية يستقر في وعينا شعور عميق بدورية الحياة في عودها الأبدي عبر مسيرة الأجيال التي لا تنقطع‏,‏ وهنا يمسك صالح ممثل الجيل التالي بطرف الخيط ليقدم منظوره للزمن الذي أدركه والقدر الذي عاشه في صراعه مع الحياة ومع أبيه الذي حرم من صحبته من أجل التشبث بالأرض وتحقيق الذات في استيلادها‏.‏ وإذا كانت هناك مجموعة من الصور والوقائع التي تتراءي بأشكال مختلفة في ذاكرة كل من الأب والابن فإن ما ينفرد به كل منهما أغزر وأقوي وإن كانت كلها تتواشج لتصنع غابة من الأسماء والمواقف و التفاصيل تؤلف عالما محكوما بالقسوة وخاضعا للعنف والظلم تبرق فيه لمحات الحب وسط كراهية كثيفة تغلف علاقات الأسر والعائلات الكبري وحتي داخل البيت الواحد المبني علي حكم الهوي وتناقضات الأهواء‏,‏ ويبدو الخيط السياسي والاجتماعي أبرز مكونات التناقضات التي تزخر بها القرية ولا تخلو منها المدينة التي تعتبر امتدادا ضخما بنسب مختلفة‏.‏


 أشترى كتابك وادفع عند الاستلام

إرسال تعليق

 
Top