0

النبطييظل يوسف زيدان فى دائرة ضوء محيرة، فالمتتبع لأعماله، خصوصا بعد رواية «عزازيل»، وكتابه «اللاهوت العربى» ومن قبلهما رواية «ظل الأفعى»، يتلهف لما يكتبه زيدان متوقعا أن يستمتع برواية أخرى لا تقل روعة عن لغة وبناء «عزازيل» التى أثارت ضجة واسعة منذ صدورها، وحتى الآن.
ودخل زيدان على إثرها معارك وهمية، ومجانية مع الواقفين ضد حرية الإبداع بحجة الحفاظ على العقيدة المسيحية من عزازيل ــ شياطين ــ زيدان!!.
سبب الحيرة، أن «معمعة» الهجوم والرد تغفلنا عن قيمة العمل الأدبى وجمالياته ومحاولة نقده فنيا، فنستغرق فى قراءته تاريخيا وعقائديا، وكأنه بحث علمى، وليس عملا أدبيا، مما يخدم فى النهاية معدل المبيعات، فيحرم الإشارة والتدليل على جمال العمل وروعته، من عدمه.
لذلك فمتى نتوقف عن إثارة الجدل والهجوم على الأعمال الإبداعية، ونجعل الناس تقرأ وتقرر بنفسها، وعلى من يريد الرد فليرد بكتابٍ آخر، لا بالتجريح والتلميح المسىء، وجر الكتّاب فى بعض الأحيان إلى ساحات المحاكم الجنائية، وفى أحيان أكثر إلى محاكم تفتيش إرهابية.
وبقدر ما نتوقع أن تثير رواية زيدان الجديدة «النبطى» التى تصدر قريبا عن دار الشروق الجدل، كعادة كل الأعمال التى تتناول كل ما هو جديد، مقتحمة العقول الخاملة، متمردة على ما هو سائد، نتوقع التعرف على قطعة حضارية فى منطقتنا تم إغفالها ربما عن عمد، وربما عن إهمال، وهى منطقة «الأنباط» وطن رواية يوسف زيدان.
السؤال الذى كان يشغلنى: من أين أتى زيدان بوقتٍ كافٍ لكتابة عمل إبداعى جديد وسط زحمة الهجوم عليه؟. ويزداد هذا السؤال اشتعالا حينما اطلعت على بروفة رواية «النبطي»، إذ تحتاج إلى ذهن صاف لا يشغله شىء فما بالنا بـ«الخناقات» الوهمية عن وهم هدم المسيحية بسبب رواية «عزازيل»، وهى بالمناسبة كما قال عنها ناشرون غربيون إنها «جوهرة أدبية فريدة». وظنى أن رواية «النبطى» ستحظى بمثل هذه الأقوال.
إذ القارئ لـ«النبطى» يدخل فى دوامة إبداعية تجذبه إلى عمقها، فلا يستطيع أن يقاوم خفايا كلام العرب، وأسرار الأنباط أصحاب الشعر والحضارة. ولا يقدر على مقاومة حكاية ماريا العروس المصرية التى ذهبت إلى أرض الأنباط، بعدما تزوجت من النبطى، عن هذه الأرض، وعادات وتقاليد أهلها: أم البنين وسلومة وسارة، وعميرو، وعن حروب المسلمين، والروم، واليهود، والأساقفة المسيحيين. لكن الرواية أعمق من سرد هذه الحكايات أو تلك، فهى سيرة امرأة مصرية، وحياة عربية، وحضارة نبطية منسية، مغلفة بقراءة تاريخية تم توظيفها فنيا لفترة بالغة الأهمية من تاريخنا المصرى والعربى.
والرواية مقسمة إلى ثلاث حيوات، الأولى «شَهْرُ الأَفْرَاحِ»، والثانية «صَدْمةُ الصَّحْرَاء»، والثالثة «أُمُّ البنين».
«النبطى» بطل الرواية، تقول عنه الحيوة الأولى: «وهـو يأخذُ الكأسَ من يدى المرتجفة، قال بصوتٍ خفيض: شكرًا يا خالة. تمنيتُ لحظتَها بقلبِ حالمةٍ، لو كان هو الذى جاء يخطبى.. لكنه لم يكن، كان أخا خاطبى الأصغرَ منه، المسمَّى عندهم الكاتب؛ لأنه يكتبُ لهم عقودَ التجارات، وهو الملقَّبُ هناك بالنبطى مع أنهم كلَّهُم أنباط، وهو الذى سيعلمنى فى حيوةٍ تالية، خفايا كلام العرب وأسرارَ مَسِّ المعانى بالكلمات».
وقد صدر زيدان روايته: «مكتوبٌ فى الزُّبُـر الأُولى: إن الأُمُورَ التى تُروى مُشافهةً، لا يَحِقُّ لكَ إثباتُها بالكتابةِ»، فضلا عن تنويهٍ يقول: «نهاياتُ هذهِ الرواية، كُتبتْ قبلَ بداياتِها بقرون. وقد قدَّتِ النهاياتُ البدايات».
وفى الصفحات الأولى نقرأ تحت عنوان«الدِّيباجةُ..فى سَنَدِ الرِّواية»ِ:
(الحمْدُ للهِ المنـزَّهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ والوَلَد. يَبْتَلى العِبَادَ بالشَّدائِدِ، وَهْوَ الذى يَهبُ الجَلَد. سُبْحَانه. جَعَلَ السَّلَفَ عِبْرَةً للخَلَف، وأَجْرَى الوَقائِعَ بما يُناسِبُ السُّـنَنَ، وبمَا قد يَخْتَلِف. نَحْمَدُهُ حَمْدَ الحالمينَ، الرَّاضينَ بالضَّرَّاءِ والسَّرَّاءِ، السَّاكنينَ حِينَ البَأْسِ، وسَاعَةَ البُؤس. ونُسَلِّمُ كَثيراً ونُصَلِّى، عَلَى نَبِيِّهِ العَدْنَانىِّ الذى نُصِرَ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرٍ، ودَانَتْ لِدَعْوَتِهِ الأَرْضُ بالهدْى والقَهْر .
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أخبرنى شيخى الجليلُ الحسنُ الإسكندرانى، عَنْ شَيخِه الأَجَلِّ مُحمَّدٍ اللَّوَاتى، قَالَ: أَخبرنا الإمامُ مسعودٌ المغربى فى مجلسِه، بسَنَدِه، مَرْفُوعًا إِلى الشَّيْخِ طَبَارة البَلَوِى. عن أبى المواهبِ البغدادىِّ المؤَدِّبِ، عَنْ شِهَابِ الدِّينِ الهرَوىِّ الأفغانى المعْروفِ بالشَّيخِ جَرَادَة، عَنْ نور الدِّين الوَزَّانِ السَّائِحِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ المعَمِّرِ نَزِيلِ القَاهِرَةِ، عَنْ شِيوُخِهِ وشيخاتِه وبعضِ عَمَّاتِه، عَنْ الخالَةِ الغَابِرَةِ مَارِيَّة. وقيِلَ: بَلْ صَوَابُ اسْمِها مَاوِيَّة).
• فسألت زيدان: بطلة الرواية المصرية التى تحكى الأحداث، تقول رواية «النبطى» فى بداياتها إن اسمها كان «ماريا» ثم صار «ماوية»... فما المقصود من هذا التغيير، وما دلالته؟
ـ هذا التغير فى الاسم يعكس تغيرا كبيرا فى ملامح الشخصية بحسب ما تجرى به أحداث الرواية، وانتقال البطلة من منطقة شرق الدلتا، حيث كانت تعيش فى قرية صغيرة، وهى فى الثامنة عشرة من عمرها إلى مضارب الأنباط شمال الجزيرة العربية. وهناك تغير اسمها من الاسم المصرى النمطى المتكرر كثيرا آنذاك كاسم للمصريات إلى الاسم العربى «ماوية» الذى أطلقته عليها أم زوجها «أم البنين».

• هناك روايات كثيرة عن الأنباط، فمن هم؟
ـ الأنباط جماعات عربية كبيرة كانت تعيش من قبل الإسلام، بل من قبل المسيحية فى المنطقة الشاسعة الممتدة من جنوب العراق، مرورا بالمنطقة المسماة اليوم شمال السعودية، وجنوب الأردن، وفلسطين، وسيناء، وهم الذين بنوا الآثار الهائلة الباقية إلى اليوم منحوتة بالجبال بمنطقة «البتراء»، وما حولها من مناطق مثل «مدائن صالح»، و«وادى رم».


 أشترى كتابك وادفع عند الاستلام

إرسال تعليق

 
Top