0

الموت يمر من هناكان أبي موثقاً في نفس القعادة التي يجلس عليها وحين لمح زوجته تتمرغ تحت قدم خصمه سحب القعادة فاهتز السوادي وصاح بأحد الحراس الذي لم يتوان عن أن يلقي على ظهر أبي بعصاه الثقيلة عندها صاح بزوجته: يا مَرة.. لا تذليني.. اخرجي وإلاّ أنت طالق.. لترتفع ضحكة السوادي عالياً وتهز أضلعه: لا.. لا، أنا لا يرضيني أبغض الحلال.. ولم يزد على هذه الجملة شيئاً، وإنما أشار إلى خدمه أن يمضوا بنا إلى غرفة أخرى من غرف الحصن الكبير وهناك شدّوا وثاقنا.. ليلتها شعرت بفداحة أن تكون ضعيفاً منكسراً لا تقوى على إخراج أنفاسكم كما تشتهي حتى الآهة تستوجب أن ينزل بك العذاب... ليلتها شعرت أن ثمة أقداماً تسير على أجسادنا.. كانت غصة مرّة تعبر حنجرتي الصغيرة وأنا أسمع أمي تتضرع لله وتبكي بحرقة وضعف..

تحسستها في ذلك الليل، قربتني إليها وضعتني في حجرها وكلما دنت حركة مفاجئة من الخارج تكورت حولي لأسمع وجيب قلبها الذي يكاد ينفطر.. في تلك الليلة استيقظ في داخلي كل شيء: الخوف، الغضب، والرغبة في البطش، والرغبة في الاسترحام والرغبة في الموت. مع أول خيوط الفجر.. دخل أحد مخدومي السوادي وقادنا أمامه لننضم إلى أبي الموثق بالحديد ودفعنا الحراس والعبيد أمامهم.. سار السوادي في المقدمة ممتطياً بغلته البيضاء، واستمر الموكب يزفّنا صوب قبة راعي القضبة، فوجئت بوجود أهل القرية مجتمعين في دائرة كبيرة حول القبة وقد كسرت تلك الدائرة بفرجة ولجنا من خلالها وسحبونا أنا وأمي غير بعيد عن أبي الذي تقدموا به حتى أصبح أمام القبة مباشرة. وقف السوادي خطيباً محتداً. لم أفقه مما قاله وإن أحسست به في أشد حالاته فوراناً فقد أرسل الكلمات شواظاً من نار فتساقطت فوق الرؤوس التي غرقت في خضوعها وأذعنت لقراره... وما أن أتم خطبته حتى استند على عبدين من عبيده وترجل عن بغلته واقترب من أبي الموثق والمحاط بحرس تصلبت أيديهم على جسده، وعندما أصبح تماماً رفع إبهامه عالياً وغرسها في عين أبي اليمنى فتراشق الدم وأصاب وجهه ولحيته ولم يمنعه ذلك من تعميق اصبعه ليجتث تلك العين الواسعة.. كان صراخ أبي عميقاً وثقيلاً... عندها أحسست أن الطيور حلقت عالياً وبعيداً كي لا تسمع أناته.. فجأة هدأ صوته وتلاشى وسقط مغشياً عليه واستقرت تلك العين الواسعة في يد السوادي الذي لم يتوان في رفعها عالياً في وجوه أهل القرية وقفها أسفل قدمه وداس عليها ومضى مبتسماً!! تفرق الجمع ولم يعد بجوار عين أبي إلا دمها والتراب العالق بها، وأنا وأمي وجسد أبي المقذوف بجوار القبة".

يتسلل عبده خال إلى الذوات المقهورة، ينبش في أحزانها التي تكاد تغرق العالم، ليُغْرِق بها مناخات روايته "الموت يمرّ منه هنا". لن يكون عسيراً عليك وكقارئ مسّ تلك العبارات المغرقة بالألم، وتلك الأخرى المغرقة بفلسفة الألم وبفلسفة الظلم، تعيها ذاتك، وتحرك داخلك أعاصير احتجاج، ومن ثم تنتابك مشاعر شتى وعيناك تلتهم السطور والصفحات، وتمضي مع الشخصيات التي يرسمها الروائي بدقة وببراعة وبشفافية رائعة، تمضي معها وهي تحدث عن عذاباتها، وصدى عبارات يتردد داخلك؛ نحن هكذا.. نعلم أن الظلم يعشش فوق هاماتنا فنحني له قاماتنا، صاغرين، ونسير العمر بطوله نحمل حدباتنا الكبيرة، وتبرمنا الخافت، ولا نكتشف وهن هذا الظلم إلا عندما نفرد قاماتنا على النعش حين يكون قد تلاشى فينا كل شيء.


 أشترى كتابك وادفع عند الاستلام

إرسال تعليق

 
Top