0

أيها القناع الصغير

أنصحكم أن تستسلموا وترفعوا أيديكم عند قراءة هذا الكتاب. فخطورته تكمن في الحكمة المتلصصة خلف كلماته، وروعته القاتلة في الجد المتلبّس لبوس الفكاهة والهزل.
غابريل غارسيا ماركيز
أصبح المنفى بالنسبة للكاتب والروائي الغواتيمالي أوغستو مونتيروسو، كما بالنسبة لعدد من أدباء وكتّاب غواتيمالا كالروائي الحائز على جائزة نوبل – أستورياس- أو الشاعر – راول غونزاليس، أصبح المنفى قدره، المنفى خارج، بلد العسف والظلم الدائم – وهي التسمية التي تطلق على غواتيمالا.
لقد قضى مونتيروسو معظم سني حياته في بلدان أخرى من أمريكا اللاتينية. ونشر خمسة كتب، طبعت كلها في المكسيك، حيث مقر إقامته الدائم. كان آخرها عام 1978 روايته الشهيرة »النضج كل شيء، وما عداه الصمت«.
إن أعماله المنشورة حتى اليوم ليست كثيرة، إذ أنه ليس غزير الإنتاج. فهذا الكتاب، على صغر حجمه، يحتل موقعاً خاصاً في أدب أمريكا اللاتينية الحديث، على ما يقول النقاد، نظراً لما يحتويه من سخرية وأسطورة، وما يتميز به من اقتضاب وفكاهة حلوة. لقد ترجم هذا الكتاب إلى الإنكليزية والإيطالية والبولونية والألمانية وفاز بعدة جوائز عالمية. وفي عام 1972 عندما دُعي مونتيروسو لإلقاء محاضرات في جامعة مشيغان، وقبل أن يطأ أرض الجامعة، تم اعتقاله وطُرِدَ من الولايات المتحدة بسبب مواقفه المعادية للإمبريالية.
ومما يميز كتابه هذا، العناية الفائقة بالصياغة والتروّي حدّ النحت في اختيار المفردة، ويزخر بثروة غزيرة من الاستعارة الرائعة، التي تبدو وكأنها القاعدة. عن هذا الموضوع وعن نفسه ونتاجه الأدبي، يتحدث مونتيروسو في مقابلة قصيرة، لا نجد أفضل من ترك المجال له ليعبر بكلماته عن هذا الموضوع.
»س: لماذا أنت حذر إلى هذا الحد؟
ج: لأني خائف.
س: وما مردُّ هذا الخوف في تقديرك؟
ج: ربما لأنني معلم سياقة سيارات، ولم أحسب نفسي ذات يوم كاتباً. فحتى اليوم، عندما أشرع بالكتابة، أشعر بأني أعزل من سلاح الكتابة تماماً كما كنت أشعر عندما كان عمري 19 أو 20 سنة. ببساطة لم أستطع التغلب على هذا الخوف، الذي تسميه أنت بالحذر.
س: الملفت للنظر هو أن روح الفكاهة وسلاسة أسلوبك يخفيان هذا الخوف بشكل جيد.
ج: الحيوانات الحذرة تُموِّه وتخفي نفسها بشكل جيد، بل أنها تتخذ مظهراً خادعاً. وعلى ما يبدو إني حيوان حذر ومُموِّه، وأَدأبُ على ذلك دأب النمل -بدافع من الخوف طبعاً- كي لا أعطي القراء وأصدقائي فرصة للهجوم عليّ.
س: حدثني مزيداً عن نفسك.
ج: في الواقع أني لم أدرس في المدرسة، أو على الأقل لم أُنهِ الدراسة الابتدائية. وعندما بدأت أتحسس هذا النقص، كنت قد بلغتُ السادسة أو السابعة عشر من العمر.. عندها أصابتني هزة عنيفة، حاولت جرائها التعويض بزيارتي المنتظمة للمكتبة العامة في غواتيمالا، ولكن هيهات. ما تزال عندي حتى اليوم –في مكان ما من اللاوعي- رغبة في إكمال الدراسة الابتدائية. ربما لأن الكتب المدرسية تعجبني جداً، وبشكل خاص الآن. إذ أجد في بعضها نصوصاً كتبتها أنا. إنه شعور غريب لا أقوى على وصفه: إنك تضع يدكَ، بطريق الصدفة، على شيء سبق أن كتبته بنفسك، فتعيد قراءة نفسك فيه وفي النهاية يُطلبُ منك أن تحدد ماضيك البعيد..

 

أيها القناع الصغير، أعرفك جيداً
وحكايات أخرى
تأليف: أوغستو مونتيروسو
نقلها إلى العربية: يحيى علوان
الناشر: دار كنعان
للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية

تسوق اونلاين وتخفيضات هائلة


 أشترى كتابك وادفع عند الاستلام

إرسال تعليق

 
Top